محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
98
بدائع السلك في طبائع الملك
أربعمائة سنة لا يعتنون فيها بشيء من امر الملك اقتصارا على إقامة رئيس من ذرية هارون عليه السلام ، كأنه خليفة موسى عليه السلام في إقامة الدين خاصة كالصلاة والقربان ، ويسمونه الكوهن . ثم اختاروا سبعين شيخا لإقامة السياسة الطبيعية للبشر ، فكانوا يتولون تنفيذ احكامها العامة ، والكوهن فوقهم بالرتبة الدينية ، واتصل ذلك بهم إلى أن استحكمت طبيعة العصبية ، وتهيأت الشوكة للملك وهي : الحالة الثانية : فغلبوا الكنعانيين على الأرض التي أورثهم الله ببيت المقدس وما جاورها ، كما وعدوا على لسان موسى عليه السلام ، ورياستهم راجعة إلى شيوخهم مدة من نحو أربعمائة سنة . ولما لم تكن لهم صولة ملك ، ضجروا من مغالبة الأمم فطلبوا على لسان شمويل عليه السلام ان يأذن الله تعالى لهم في تمليك رجل عليهم ، فكان طالوت ، وغلب الأمم ، وقتل جالوت . ثم ملك بعده ، داود ، ثم سليمان عليهما السلام ، واستعجل ملكه وهي : الحالة الثالثة : فامتد إلى الحجاز ثم إلى أطراف اليمن ، ثم إلى أطراف بلاد الروم ثم افترق الأسباط بعد سليمان عليه السلام إلى دولتين : أحدهما : بالجزيرة والموصل للأسباط العشرة . والأخرى بالقدس والشام لبني يهود وبني يامين ثم غلبهم بخت نصر ، ملك بابل ، على ما كان بأيديهم بعد اتصال ملكهم نحو الف سنة . وخرب مسجدهم واحرق توراتهم - ونقلهم إلى أصبهان والعراق ، إلى أن ردهم بعض ملوك الفرس إلى بيت المقدس بعد سبعين سنة من خروجهم ، فبنوا المسجد وأقاموا دينهم على الرسم الأول للكهنة فقط وهي : الحالة الرابعة : والملك حينئذ انما هو للفرس ، ثم غلب الإسكندر واليونانيون على الفرس وصار اليهود في ملكهم ، ثم فشل امر اليونانيين ، فاعتز اليهود عليهم بالعصبية ، وقائم مملكتهم الكهنة الذين كانوا فيهم إذ ذاك وقاتلوا يونان ، حتى انقرضوا وهي . الحالة الخامسة : ثم غلبهم الروم ، ورجعوا إلى بيت المقدس ، وبها بقية دولتهم ، فحاصروهم مدة ، ثم افتتحوها عنوة ، وافحشوا في القتل والهدم والتحريق ، وخربوا بيت المقدس ، واجلوهم عنها إلى رومة وما وراءها . وهو